المقريزي
149
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
أبي حبيب ، وعبد اللّه بن أبي جعفر . فكان العرب أنكروا ذلك ، فقال عمر بن عبد العزيز : ما ذنبي إن كانت الموالي تسمو بأنفسها صعدا وأنتم لا تسمون . وعن ابن أبي قديد كانت البيعة إذا جاءت للخليفة أوّل من يبايع عبد اللّه بن أبي جعفر ويزيد بن أبي حبيب ثم الناس بعد . وقال أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر عن حيوة بن شريح قال : دخلت على حسين بن شفي بن مانع الأصبحيّ وهو يقول : فعل اللّه بفلان . فقلت : ما له ؟ فقال : عمد إلى كتابين كان شفي سمعهما من عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما ، أحدهما قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في كذا ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كذا ، والآخر ما يكون من الأحداث إلى يوم القيامة ، فأخذهما فرمى بهما بين الخولة والرباب . قال أبو سعيد بن يونس : يعني بقوله الخولة والرباب مركبين كبيرين من سفن الجسر كانا يكونان عند رأس الجسر مما يلي الفسطاط يجوز من تحتهما لكبرهما المراكب . وذكر أبو عمرو الكنديّ أن أبا سعيد عثمان بن عتيق مولى غافق ، أوّل من رحل من أهل مصر إلى العراق في طلب الحديث ، توفي سنة أربع وثمانين ومائة انتهى . وكان حال أهل الإسلام من أهل مصر وغيرها من الأمصار في أحكام الشريعة على ما تقدّم ذكره ، ثم كثر الترحل إلى الآفاق وتداخل الناس والتقوا وانتدب أقوام لجمع الحديث النبويّ وتقييده ، فكان أوّل من دوّن العلم محمد بن شهاب الزهريّ ، وكان أوّل من صنف وبوّب سعيد بن عروبة والربيع بن صبيح بالبصرة ، ومعمر بن راشد باليمن ، وابن جريج بمكة ، ثم سفيات الثوريّ بالكوفة ، وحماد بن سلمة بالبصرة ، والوليد بن مسلم بالشام ، وجرير بن عبد الحميد بالريّ ، وعبد اللّه بن المبارك بمرو وخراسان ، وهشيم بن بشير بواسط ، وتفرّد بالكوفة أبو بكر بن أبي شيبة بتكثير الأبواب وجودة التصنيف وحسن التأليف ، فوصلت أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من البلاد البعيدة إلى من لم تكن عنده ، وقامت الحجة على من بلغه شيء منها ، وجمعت الأحاديث المبينة لصحة أحد التأويلات المتأوّلة من الأحاديث ، وعرف الصحيح من السقيم ، وزيف الاجتهاد المؤدّي إلى خلاف كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإلى ترك عمله ، وسقط العذر عمن خالف ما بلغه من السنن ببلوغه إليه ، وقيام الحجة عليه ، وعلى هذا الطريق كان الصحابة رضي اللّه عنهم وكثير من التابعين يرحلون في طلب الحديث الواحدة الأيام الكثيرة ، يعرف ذلك من نظر في كتب الحديث ، وعرف سير الصحابة والتابعين . فلما قام هارون الرشيد في الخلافة ، وولى القضاء أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم أحد أصحاب أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى بعد سنة سبعين ومائة ، فلم يقلد ببلاد العراق وخراسان والشام ومصر إلّا من أشار به القاضي أبو يوسف رحمه اللّه ، واعتنى به ، وكذلك لما قام بالأندلس الحكم المرتضى بن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بعد أبيه ، وتلقب بالمنتصر في سنة ثمانين ومائة ، اختص بيحيى بن يحيى بن كثير الأندلسيّ ، وكان قد حج وسمع الموطأ من مالك إلّا أبوابا ، وحمل عن ابن وهب وعن ابن القاسم وغيره علما كثيرا